زكي مبارك

85

عبقرية الشريف الرضي

بهم من المعاطب والظلمات . وقد بلغ الشعر بابن حجاج كل مبلغ فحصّل الأموال ، وعقد الأملاك ، وصار مقضيّ الحاجة ، مقبول الشفاعة ، محذور الجانب ، متقى اللسان ( 1 ) . ولم يكن السخف كل بضاعة ابن حجاج : فقد كان يجيد في سائر ضروب الشعر إجادة الفحول ، واضطر الشريف إلى العكوف على دراسة شعره فأخرج منه مختارات سماها ( الحسن من شعر الحسين ) . ولما مات رثاه الشريف بقصيدة جيدة ابتدأها بهذين البيتين : نعوه على ضنّ قلبي به * فلله ماذا نعى الناعيان رضيع ولاء له شعبة * من القلب فوق رضيع اللَّبان وختمها بهذين البيتين : فزل كزيال الشباب الرطيب * خانك يوم لقاء الغواني ليبك الزمان طويلا عليك * فقد كنت خفة روح الزمان وأستطيع أن أقول إن الشريف كان يعطف على ابن حجاج لبعض الوفاق في المذاهب الدينية أو السياسية : فقد كان يعرض ببعض خصوم أهل البيت ، كأن يقول في خطاب أبي إسحاق الصابي : فداك اللَّه بي وبكل حيّ * من الدنيا دنيّ أو شريف يحلّ لك التغافل عن أناس * تولوا ظلم خادمك الضعيف ولست بكافر فيحلّ مالي * ولا الحجاج جدي من ثقيف فمر بدراهمي ضربا وإلا * جعلت سبال قوفا في الكثيف ( 2 ) ولم تمنعه مراعاة الخلافة العباسية في بغداد من مدح الخلفاء الفاطميين بالقاهرة والظفر بما في مصر من طيبات الهدايا والدنانير ( 3 ) .

--> ( 1 ) ص 404 . ( 2 ) قوفا هو أبو الحسن محمد بن الهماني . ( 3 ) تجارب الأمم ج 3 ص 404 .